السيد محمد حسين فضل الله

64

من وحي القرآن

فإن المراد به - في الظاهر - هو الكتاب المنزّل على موسى وعيسى وغيرهما ، وهم اليهود والنصارى والمجوس . وقد يكون المراد منهم أهل الكتاب الذين عاشوا في بداية البعثة كما يذكر صاحب تفسير الميزان فيقول : وقد أثبت التاريخ أن اليهود ما كانوا يعاندون النبوّة العربية في أوائل البعثة وقبلها ، ذاك العناد الذي ساقتهم إليه حوادث ما بعد الهجرة ، وقد دخل جمع منهم في الإسلام أوائل الهجرة وشهدوا على نبوّة النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم وكونه مبشرا به في كتبهم ، كما قال تعالى : وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ [ الأحقاف : 10 ] . وأنه كان من النصارى قوم على الحق من غير أن يعاندوا دعوة الإسلام كقوم من نصارى الحبشة على ما نقل من قصة هجرة الحبشة وجمع من غيرهم ، وكذا كان المجوس ينتظرون الفرج بظهور منج ينشر الحق والعدل وكانوا لا يعاندون الحق كما يعانده المشركون ، وهو قريب « 1 » وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ . ربما كان المقصود بهم هؤلاء الذين ينكرون التوحيد بمعناه القرآني ، ويلتزمون التثليث ويختلفون مع الإسلام في بعض مفاهيمه وأحكامه ، ويمتنعون عن الإيمان بالإسلام ، انطلاقا من الحالة الحزبية التي تغلق عليهم نوافذ التفكير وتضع الحواجز الذاتية والعصبية بينهم وبين معرفة الحقيقة . ولكن اللَّه يريد لنبيه أن لا يضعف أمام حالة الإنكار ، ولا يتراجع عن دعوته ، لأن القضية لديه واضحة وضوح الحقيقة في خط الوحدانية التي يبدأ فيها كل شيء من اللَّه وينتهي إليه ، لجهة تأكيد المفاهيم الإيمانية ، وحل الإشكالات ، ومواجهة التحديات . إنها الدعوة التي تختصر كل شيء بكلمة التوحيد في الحياة كلها .

--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 11 ، ص : 371 .